الآلوسي

22

تفسير الآلوسي

فيه ) * اجعلوه قائماً أي دائماً مستمراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب انتهى ، ولعله أراد بالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقها لا ما نعرفه في شرعنا منها فإن الصلوات الخمس والزكاة المخصوصة وصيام شهر رمضان من خواص هذه الأمة على الصحيح ، والظاهر أن حج البيت لم يشرع لأمة موسى وأمة عيسى عليهما السلام ولا لأكثر الأمم قبلهما على أن الآية مكية ولم تشرع الزكاة المعروفة وصيام رمضان إلا في المدينة ، وبالجملة لا شك في اختلاف الأديان في الفروع ، نعم لا يبعد اتفاقها فيما هو من مكارم الأخلاق واجتناب الرذائل * ( كَبُرَ ) * أي عظم وشق * ( عَلَى الْمُشْركينَ معا تَدْعُوهُمْ إلَيْه ) * على سبيل الاستمرار التجددي من التوحيد ورفض عبادة الأصنام ويشعر بإرادته التعبير بالمشركين وهو أصل الأصول وأعظم ما شق عليهم كما تنبىء بذلك الآيات أو ما تدعوهم إليه من إقامة الدين وعدم التفرق فيه * ( اللَّهُ يَجْتَبى إلَيْه مَنْ يَشَاءُ ) * تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن منهم من يجيب ، و * ( يجتبى ) * من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والضمير في * ( إليه ) * لله تعالى كما ذكر محيي السنة وغيره وكذا الضمير في قوله تعالى : * ( وَيَهْدي إلَيْه مَنْ يُنيبُذ أي يصطفي إليه سبحانه من يشاء اصطفاءه ويخصصه سبحانه يفيض إلهي يتحصل له منه أنواع النعم ويهدي إليه عز وجل بالارشاد والتوفيق من يقبل إليه تعالى شأنه ، وعدى الاجتباء بإلى لما فيه من الجمع على ما يفهم من كلام الراغب ، وجعله جمع من الجباية بمعنى الجمع يقال : جبيت الماء في الحوض جمعته فيه فمنهم من اختار جعل ضمير * ( إليه ) * في الموضعين - لما - لما فيه من اتساق الضمائر أي يجتلب ويجمع من يشاء اجتلابه وجمعه إلى ما تدعوهم إليه ، ومنهم من اختار جعله للدين لمناسبة معنوية هي اتحاد المتفرق فيه والمجتمع عليه والزمخشري اختار كونه من الجباية بمعنى الجمع وعود الضمير على الدين ، وما ذكره محيى السنة وغيره - قال في الكشف - أظهر وأملأ بالفائدة ، أما الثاني فللدلالة على أن أهل الاجتباء غير أهل الاهتداء وكلتا الطائفتين هم أهل الدين والتوحيد الذين لم يتفرقوا فيه وعلى مختار طائفة واحدة . وأما الأول فلأن الاجتباء بمعنى الاصطفاء أكثر استعمالاً ولأنه يدل على أن أهل الدين هم صفوة الله تعالى اجتباهم إليه واصطفاهم لنفسه سبحانه ، وأما الذي آثره الزمخشري فكلام ظاهري بناه على أن الكلام في عدم التفرق في الدين فناسب الجمع والانتهاء إليه ، وقيل : * ( ما تدعوهم إليه ) * على معنى ما تدعوهم إلى الإيمان به والمراد به الرسالة أي ثقلت عليهم رسالتك وعظم لديهم تخصيصنا إياك بالرسالة والوحي دونهم وقوله تعالى : * ( الله يجتبى إليه من يشاء ) * رد عليهم على نحو * ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) * ( الأنعام : 124 ) وما قدمنا أظهر . * ( وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابمِن بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ) * . * ( وَمَا تَفَرَّقُوا ) * أي أمم الأنبياء بعد وفاة أنبيائهم كما في الكشف منذ بعث نوح عليه السلام في الدين لأالذي دعوا إليه واختلفوا فيه في وقت من الأوقات * ( إلاَّ منْ بَعْد معا جَاءَهُمُ الْعلْمُ ) * من أنبيائهم بأن الفرقة ضلال وفساد وأمر متوعد عليه ؛ وهذا يؤيد ما دل عليه سابقاً من أن الأمم القديمة والحديثة أمروا باتفاق الكلمة وإقامة الدين ، والمراد بالعلم سببه مجازاً مرسلاً ، ويجوز أن يكون التجوز في الاسناد ، وأن يكون الكلام بتقدير مضاف أي جاءهم سبب العلم ، وقد يقال جاء مجاز عن حصل ، والاستثناء على ما أشرنا إليه مفرغ من أعم الأوقات ، وجوز أن يكون من أعم الأحوال أي ما تفرقوا في حال من الأحوال إلا حال مجيء العلم * ( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * أي عداوة على أن البغي